منقول : http://www.sohbanet.com/vb/showthread.php?t=24373
في مساء اليوم الثاني للحرب، وبينما كان الجنود يقاتلون في محاولة يائسة لصد الجيش المصري المندفع نحو سيناء، التقطت وحدة التنصت التابعة للاستخبارات العسكرية رسالة "موريس" مشفرة، وتبين أنها تبث من العريش شمال سيناء. هذه الحقيقة استنفرت عناصر الإستخبارات، لكون الموقع يتيح متابعة الإمدادات التي يدفع بها الجيش عن طريق شارع الشاطئ للجنود المستنزفين في عمق سيناء والمعاقل التي أقيمت قرب قناة السويس.
وأدركت إسرائيل أن "جاسوساً" يقف وراء إشارات موريس، ويرسل من خلالها التقارير لمصر في الوقت الحقيقي حول استعدادات الجيش الإسرائيلي لمواصلة الحرب، الأمر الذي يمكن من شل محاور الإمدادات الحيوية. وهنا بدأت معركة "أدمغة" بين شعبة الإستخبارات في الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) من جهة، وبين استخبارات الجيش المصري.
هذه القصة حافظ عليها سراً رجل الشاباك، يهودا ليهود، مدة 33 عاماً…
بدأ ليهود عمله في الشاباك في قطاع غزة، حيث اعتاد المقاومون الفلسطينيون إلقاء القنابل اليدوية على السيارات الإسرائيلية التي كانت تسير في الشارع الرئيسي للقطاع في طريقها إلى أسواق غزة ومعسكرات الجيش في شمال سيناء. وفي حينه مُنح عناصر الشاباك حرية في العمل لم يسبق لها مثيل، وذلك من أجل وقف تهريب القنابل من سيناء إلى قطاع غزة. وتمكن ليهود من تجنيد أكثر من 50 "مصدر معلومات" خلال شهور معدودة، تزوده بالتقارير عن "مهربي القنابل". وبعد سنة تمكن من القبض على أكبر "المهربين". وفي العام 1972 تم نقله إلى العريش بعد هدوء ساد قطاع غزة.
وفي تلك السنة بدأت تظهر في العريش مناشير موقعة بإسم "أبناء سيناء الأحرار"( الإسم مترجم عن العبرية)، تدعو السكان إلى مقاومة الإحتلال الإسرائيلي.
تقع العريش على مفترق طرق حيوي تتفرع منه الطرق إلى شمال ومركز سيناء. والأهم من بينها هو شارع الشاطئ الذي يربط بين غزة وقناة السويس ومن هناك حتى القاهرة. وعن طريق هذا الشارع، بالإضافة إلى خط سكة الحديد الموازي له، كان يتم نقل الإمدادات للجيش الإسرائيلي على ضفة قناة السويس. وهو نفس المسار الذي خطط الجيش لنقل قوات بواسطته إلى القناة في حالة نشوب حرب.
حتى العام 1972 كانت الإستخبارات العسكرية هي المسؤولة عن النشاطات العملياتية في سيناء. وعمل عناصر الوحدة 154 (اليوم تسمى الوحدة 504) على إحباط العمليات في سيناء. إلا أنه وعندما تواصلت الهجمات على المركبات الإسرائيلية في الطريق المؤدي من العريش إلى القناة، قام الجيش بإدخال عناصر الشاباك إلى الصورة، وذلك حتى لا يضطر إلى فتح محاور جديدة طويلة لنقل الإمدادات العسكرية.
في ذلك الوقت كان يعيش في العريش ما يقارب 30 ألف نسمة، غالبيتهم مصريون، وعدد قليل من الفلسطينيين. وكان من بينهم آلاف من الموظفين المصريين الذين تلقوا رواتب مزدوجة، سواء من الحكم العسكري الإسرائيلي أو من مصر التي واصلت دفع رواتبهم حتى بعد احتلال سيناء في العام 1967. وبموجب المعلومات التي كانت لدى الحكم العسكري والشرطة، تم إعداد قائمة تشمل عشرات المصادر التي من المحتمل أنها على علم بما يحدث في العريش، وربما سيكون لهم مصلحة في التعاون مع الإحتلال.
وبدأ ليهود المكنى "أبو عمير" باستدعاء الموظفين إلى مكتبه، في حين التقى بآخرين بالصدفة في المدينة. وتحدث معهم طويلاً عن حياتهم وعملهم وأقاربهم في مصر، وعن آخرين كانوا ضمن القائمة. وبعد أشهر معدودة بدأت جهوده تثمر عن نتائج، مما أتاح للشاباك والجيش البدء بحملة لملاحقة "أبناء سيناء الأحرار".
أدى اعتقال معلم مصري، قام بصياغة مناشير "أبناء سيناء الأحرار"، إلى القضاء على التنظيم. وتم اعتقال عدد كبير من كبار المسؤولين في التنظيم، والذين كانوا يتلقون التوجيهات من الإستخبارات العسكرية المصرية، في حين هرب بعضهم إلى داخل مصر. بعد ذلك لم تقع أية عمليات في العريش حتى نشوب الحرب.
بعد أن خسرت الإستخبارات المصرية هذه الجولة، في الموقع الأهم في سيناء، بدأت بتفعيل عملاء وبناء شبكات إستخبارية من جديد في سيناء تحت إشراف الشعبة الخاصة المسماة "المكتب الخاص". وكان المسؤول عن منطقة العريش في الإستخبارات المصرية أحمد اليماني ومحمد سليمان.
يقع الذراع المتقدم للمكتب الخاص في القنطرة، الواقعة على ضفة قناة السويس في منتصف الطريق بين العريش والقاهرة. وفي هذه المدينة كان المعبر الخاص الذي يتنقل من خلاله السكان من سيناء إلى مصر في الاتجاهين. وفي حينه عمل الصليب الأحمر على منح التصاريح بالتنسيق مع السلطات المصرية والإسرائيلية.
وقام عناصر المكتب الخاص بالتحقيق مع كل من يدخل من سيناء أو يعود إليها. وكان ليهود أيضاً يقوم باستدعاء جميع العائدين من مصر إلى مكتبه للتحقيق معهم.
في حزيران/يونيو من العام 1972 علم أنه مستهدف من قبل الإستخبارات المصرية. حيث تبين له أن المحققين المصريين في القنطرة والقاهرة طلبوا المزيد من التفاصيل عن "أبو عمير": أين يسكن وأين يأكل وأين يشرب القهوة وكيف يحدد اللقاءات وبماذا يهتم عندما يتحدث مع سكان العريش. الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ جانب الحذر، فدأب على تغيير سيارته في أوقات متقاربة، وكان يسافر بسيارات تحمل لوحة تشخيص مصرية، ويخرج إلى لقاءاته بمعية الحراس.
قبل الحرب بسنة ونصف، لاحظ ليهود أن نشاط الإستخبارات المصرية في سيناء في تصاعد مستمر. وفي حديثه مع "مصادره" تبين له أن المصريين ليسوا على استعداد لتقبل خسارة سيناء، وأنهم يبحثون عن طريقة للرد على هزيمة 67. ولدى قيام الشاباك بفحص إذا ما كانت الشبكات التي أنشأتها الإستخبارات المصرية قادرة على تنفيذ عمليات، تبين لهم أنه بإمكان هذه الشبكات تعريض عملية الإمداد للخطر أثناء الحرب.
وقرر ليهود كشف خطط الإستخبارات المصرية، عن طريق أحد مصادره الإستخبارية، سعد جلبانة، الذي كان بإمكانه أن يقوده إلى رئيس القسم في القاهرة. جلبانة كان من سكان العريش والمقرب من سالم اليماني شقيق أحمد اليماني. وفي المقابل وصلت ليهود معلومات عن عبد الحميد عبد الله الخليلي، صديق جلبانة وأحد القوميين الناشطين في العريش. علاوة على ذلك، كان الخليلي قريباً لعائلة أحد أعضاء مجلس الشعب المصري، وقريباً لأحد كبار المسؤولين في المخابرات العامة في القاهرة.
يقول ليهود إنه بعد أن أجرى ثلاثة جولات من "المحادثات" في مكتبه مع الخليلي، تبين له أن الأخير على استعداد للتعاون، وأنه بإمكانه أن يكون أكثر من مجرد "مصدر"، حيث كان يتصف بـ"الشخصية القوية والقيادية، والاستيعاب السريع وحبه للمال".
وألقى ليهود عدداً من المهمات على الخليلي، كاختبار له، ولما اجتاز الإختبار قرر وقف لقاءاته العلنية معه، وتحويلها إلى سرية. وفي تقارير ليهود منح الخليلي الرقم 649، في حين منح سعد جلبانة الرقم 648. وبدأت اللقاءات معهما بسرية تامة. وفي كل مرة أراد لقاء أحدهما، كان يكتب عددين على شكل "كسر رياضي"، بحيث يكون "البسط" (العدد العلوي) تاريخ اللقاء، في حين يمثل "المقام" (العدد السفلي) ساعة اللقاء.
وفي حزيران/يونيو من العام 1972، قرر ليهود أن 648، و649 مؤهلان لتنفيذ المهمة الخطيرة، وهي اختراق الشعبة الخاصة للمخابرات العسكرية في القاهرة بهدف فحص إذا ما كان المصريون يخططون للحرب. وكان ليهود يدرك أن هذه المسألة ليست من ضمن اختصاصه، فتفعيل العملاء في الدول المجاورة عن طريق الحدود المشتركة كان من ضمن اختصاص الوحدة 154 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وحتى الموساد قام بتفعيل عملاء في تلك الدول، ولكن نشاطات "ضباط جمع المعلومات" كانت تتم عن طريق دولة ثالثة. ورغم ذلك قرر ليهود اللعب في ملعب "التجسس" وزرع جواسيسه في جبهة "العدو".
في نهاية حزيران/يونيو 1972، عرض ليهود خطته: الخليلي وجلبانة يذهبان في زيارة إلى أقاربهما، وتكون مهمتهما الحقيقية التجند للشعبة الخاصة في للمخابرات العسكرية المصرية. واعتقد أن صداقة جلبانة مع شقيق اليماني، والعلاقة العائلية للخليلي مع عضو مجلس الشعب، ومع ضابط المخابرات المصرية، كل ذلك سيؤدي إلى قيام الشعبة الخاصة للمخابرات بتوكيلهما بـ"التجسس" في العريش.
وبحسب ليهود، ففي حال ابتلع المصريون الطعم، سيقوم اليماني بتأهيلهما كعملاء ويزودهما بجهاز اتصال. وعندما يعودا إلى العريش سوف يرويان للشاباك طرق عمل وأهداف المخابرات المصرية في سيناء، وربما سيقومان بتسليم الشاباك جهاز الإتصال، وطرق التشفير وقائمة العملاء في سيناء الذي يفترض أن يقوما بالاتصال بهم.
وعندما ادعى المسؤول عن ليهود أنه لا يمكن معرفة حقيقة نوايا الخليلي وجلبانة، وأنه من الممكن أن يعملا لصالح الإستخبارات المصرية، قال ليهود أن شبكة العملاء التي نشرها في العريش ستتيح له مراقبتهما عن كثب والتأكد من عدم تضليلهما للشاباك.
كما عرض ليهود الفكرة على رئيس شعبة العمليات في المنطقة الجنوبية التابعة للشاباك، نحمان طال، كما تم إشراك رئيس الشاباك نفسه. وبعد طول تردد، تمت الموافقة على الخطة بثلاثة شروط، أولها أن يقوم واحد فقط من الإثنين بزيارة القاهرة، خشية أن يقوم الثاني بالتبليغ عنه، وثانيها أن يقوم ليهود بترتيب عملية مراقبة متواصلة للعميل بعد عودته من القاهرة، والشرط الثالث هو إشراك الوحدة 154 في العملية.
ووقع اختيار ليهود على الخليلي (649). وكان على قناعة بأن الإستخبارات المصرية سوف تنتبه إلى شخصيته القيادية، وأن نشاطه القومي السابق سيجعله المثالي في نظرهم لإقامة شبكة استخبارات في سيناء. إلا أنه لم يكن من السهل إقناع 649 بقبول المهمة التي ستعرض حياته للخطر. إلا أنه وافق أخيراً، ومنح لقب "منمن" (رؤوس أقلام عن العبرية "استخبارات ضد استخبارات").
في الثالث من كانون ثاني/يناير 1973، وقبل 10 شهور من الحرب، قدم الخليلي طلباً للصليب الأحمر لزيارة مصر، وتقرر أن تكون مدة الزيارة شهرين.
مر شهران على سفر "منمن" ولم يجر أي اتصال مع مشغليه. وأبلغ جلبانة، الذي كان على
المزيد